العيني
154
عمدة القاري
بن يحيى وابن بكر الناقد وإسحاق بن نمير عن ابن عيينة وعن عبد الرزاق عن معمر كلهم عن الزهري به ، وأخرجه الترمذي مثل إحدى روايات البخاري ، ومسلم قال : ( كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس فقال : تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ) ، وأخرجه النسائي ، ولفظه قال : ( بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة في رهط ، فقال أبايعكم على أن لا تشركوا بالله شيئاً ، ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تشربوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ، ولا تعصوني في معروف ، فمن وفى منكم فأجره على الله ، ومن أصاب من ذلك شيئاً فأخذ به في الدنيا فهو كفارة له وطهور ، ومن ستره الله فذلك إلى الله تعالى ، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له ) . وله في الأخرى نحو رواية الترمذي . ( بيان اللغات ) قوله : ( وكان شهد ) أي : حضر ، وأصل الشهود الحضور ، يقال : شهده شهوداً ، أي : حضره وهو من باب : علم يعلم ، وجاء شهد بالشيء ، بضم الهاء ، يشهد به من الشهادة ، قال في ( العباب ) هذه لغة في شهد يشهد . وقرأ الحسن البصري * ( وما شهدنا إلاَّ بما علمنا ) * ( يوسف : 81 ) بضم الهاء ، وقوم شهود أي : حضور ، وهو في الأصل مصدر كما ذكرنا . وشهد له بكذا شهادة . أي : أدى ما عنده من الشهادة ، وشهد الرجل على كذا شهادة ، وهو خبر قاطع . قوله : ( بدرا ) وهو موضع الغزوة الكبرى العظمى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، يذكر ويؤنث ، ماء معروف على نحو أربعة مراحل من المدينة ، وقد كان لرجل يدعى بدراً ، فسميت باسمه . قلت : بدر اسم بئر حفرها رجل من بني النجار ، اسمه بدر ، وفي ( العباب ) : فمن ذكَّر قال : هو اسم قليب ، ومن أنثَّهُ قال : هو اسم بئر ، وقال الشعبي : بدر بئر كانت لرجل سمي بدراً ، أو قال أهل الحجاز : هو بدر بن قريش بن الحارث بن يخلد بن النضر ، وقال ابن الكلبي : هو رجل من جهينة . قوله : ( أحد النقباء ) جمع : نقيب ، وهو الناظر على القوم وضمينهم وعريفهم ، وقد نقب على قومه ينقب نقابة ، مثال : كتب يكتب كتابة ، إذا صار نقيباً وهو : العريف ، قال الفراء : إذا أردت أنه لم يكن نقيباً بفعل ، قلت : نقب نقابة ، بالضم ؛ نقابة ، بالفتح ، ونقب ، بالكسر لغة ؛ قال سيبويه : النقابة ، بالكسر : اسم ، وبالفتح : المصدر ، مثل الولاية والولاية . قوله : ( ليلة العقبة ) أي : العقبة التي تنسب إليها جمرة العقبة التي بمنى ، وعقبة الجبل معروفة وهو الموضع المرتفع العالي منه ، وفي ( العباب ) : التركيب يدل على ارتفاع وشدة وصعوبة . قوله : ( وحوله ) يقال : حوله وحواله وحواليه وحوليه ، بفتح اللام في كلها ، أي : يحيطون به . قوله : ( عصابة ) ، بكسر العين ، وهي الجماعة من الناس لا واحد لها ، وهو ما بين العشرة إلى الأربعين وأُخذ إما من العصب الذي بمعنى الشدة ، كأنهم يشد بعضهم بعضاً ، ومنه العصابة أي الخرقة تشد على الجبهة ، ومنه العصب لأنه يشد الأعضاء بمعنى الإحاطة ، يقال : عصب فلان بفلان إذا أحاط به . قوله : ( بايعوني ) من المبايعة ، والمبايعة على الإسلام عبارة عن المعاقدة والمعاهدة عليه ، سميت بذلك تشبيهاً بالمعاوضة المالية . كأن كل واحد منهما يبيع ما عنده من صاحبه ، فمن طرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وعد الثواب ومن طرفهم التزام الطاعة ؛ وقد تعرف بأنها عقد الإمام العهد بما يأمر الناس به ، وفي باب وفود الأنصار : تعالوا بايعوني . قوله : ( لا تشركوا بالله شيئاً ) أي : وحدوه سبحانه وتعالى ، وهذا هو أصل الإيمان وأساس الإسلام ، فلذلك قدمه على أخوته . قوله : ( شيئاً ) عام لأنه نكرة في سياق النهي لأنه كالنفي ، قوله : ( ببهتان ) البهتان ، بالضم : الكذب الذي يبهت سامعه ، أي يدهشه لفظاعته ، يقال : بهته بهتاناً إذا كذب عليه بما يبهته من شدة نكره ، وزعم البناني أن أبا زيد قال : بهته يبهته بهتاناً : رماه في وجهه ، أو من ورائه بما لم يكن ، والبهَّات الذي يعيب الناس بما لم يفعلوا ، وقال يعقوب والكسائي : هو الكذب . وقال صاحب ( العين ) : البهت استقبالك بأمر تقذفه به وهو منه بريء لا يعلمه ، والاسم : البهتان . والبهت أيضاً : الحيرة ، وقال الزجاج وقطرب : بهت الرجل انقطع وتحير . وبهذا المعنى بهت وبهت . قال : والبهتان الكذب الذي يتحير من عظمه وشأنه ، وقد بهته إذا كذب عليه ؛ زاد قطرب : بهاتة وبهتا ، وفي ( المحكم ) : باهته استقلبه بأمر يقذفه به وهو منه بريء لا يعلمه ، والبهيتة : الباطل الذي يتحير من بطلانه ، والبهوت : المباهت ، والجمع : بهت وبهوت ، وعندي أن بهوتاً جمع باهت لا جمع بهوت ، وقراءة السبع * ( فبهت الذي كفر ) * ( يوسف : 258 ) وقراءة ابن حيوة : فبهت ، بضم الهاء ، لغة في بهت . وقال ابن جني : وقد يجوز أن يكون بهت بالفتح لغة في بهت ، وقال الأخفش : قراءة بهت كدهش وحزن ، قال : وبهت ، بالضم أكثر من بهت بالكسر ، يعني أن الضمة تكون للمبالغة . وفي ( المنتهى ) لأبي المعالي : بهته يبهته بهتاً إذا أخذه بغتة ، وبهته بهتاً وبهتاناً وبهتا فهو بهاة إذا قال عليه ما لم يفعله مواجهة ، وهو مبهوت ، والبهت لا يكون إلاَّ مواجهة بالكذب على الإنسان ،